أحمد الفاروقي السرهندي

271

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

( 27 ) المكتوب السّابع والعشرون إلى الملّا عليّ الكشميّ في بيان أنّ اللّائق بالعبد أن يخرج عن مراداته بالتّمام وأن يكون على مراده سبحانه وتعالى مع بيان المرض الذّاتيّ والعرضيّ ينبغي للعبد أن لا يكون له مراد ومطلوب غير مولاه عزّ وجلّ وغير مراده أصلا فلو لم يكن كذلك فهو مخرج رأسه عن ربقة العبوديّة وقدمه عن قيد الرّقّيّة والعبد إذا كان في أسر مرادات نفسه ومنخدعا بهواه وهوسه فهو عبد نفسه وفي طاعة الشّيطان اللّعين وتلك الدولة المذكورة مربوط حصولها بحصول الولاية الخاصّة المربوط حصولها بالفناء الاتمّ والبقاء الأكمل ( فإن قيل ) ربّما تظهر المرادات والمقتضيات من الكمّل أيضا ويحسّ تمنّيات حصول مطالب شتّى من الكبراء الأول وكان إمام الأنبياء وسلطان الأولياء عليه وعليهم أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات يحبّ الماء البارد والحلوى وحرصه على هداية الأمّة مبيّن في القرآن المجيد فما يكون وجه بقاء أمثال هذه المقتضيات في هؤلاء الأكابر ( أجيب ) انّ بعض المقتضيات منشؤها الطّبيعة فما دامت نشأة الطّبيعة قائمة فتلك المقتضيات باقية فإنّ الطّبيعة مائلة إلى البرودة وقت الحرارة من غير اختيار وراغبة إلى الحرارة وقت البرودة بالاضطرار ومثل هذا الاقتضاء لا ينافي العبوديّة ولا هو سبب التّعلّق بالهوى والهوس فإنّ ضروريّات الطّبيعة خارجة من دائرة التّكليف وليست هي من هوى النّفس الأمّارة فإنّ ميلان النّفس إمّا إلى فضول المباح أو إلى المشتبه والمحرّم وما هو ضروريّ لا مدخل فيه للنّفس فظهر أنّ منشأ التّعلّق والتّعوّق هو الاشتغال بفضوليّات الأفعال وإن كانت من قسم المباح فإنّ لفضول المباح نسبة قرب الجوار بالمحرّم فلو رفع قدمه منه بإغواء العدوّ اللّعين ليضع في المحرّم بلا اختيار فكان الاقتصار على المباح ضروريّا فإنّه لو رفع القدم منه يوضع في فضول المباح بخلاف ما إذا أقام في فضول المباح اوّلا فإنّه لو وقع القدم خارجه ليقع في المحرّم كما مرّ آنفا . ( وظهور ) بعض المرادات ربّما يكون بسبب من خارج مع خلوص الشّخص في نفسه عن المرادات وهذا السّبب الخارج إمّا واعظ الرّحمن فيلقى الخيرات فإنّ للّه سبحانه واعظا في قلب كلّ مؤمن أو الشّيطان فيلقى الشّرور والعداوة يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً « 1 » وهذا الفقير كان يوما بعد صلاة الصّبح قاعدا بطريق السّكوت كما هو شيمة أهل هذه الطّريقة العليّة أيّام إقامتي في القلعة فهجم على الخاطر تمنّيات لا طائل فيها وسلبت الحلاوة بهجومها ومنعت من الجمعيّة ثمّ رجعت الجمعيّة بعد لمحة بعناية اللّه سبحانه إلى حالها فرأيت أنّ تلك التّمنّيات خرجت من الخاطر وارتفعت كقطع السّحاب وخرجت من الباب مع ملقيها وخلّت البيت عنها فعلم في ذاك الوقت أنّ تلك المرادات إنّما ظهرت من

--> ( 1 ) - الآية : 120 من سورة النساء .